تونس.. رجال الرئيس ينتفضون ضده - الأول نيوز

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

بقدرة قادر، وبشكل مفاجئ إلى حد الصدمة، تعالت الأصوات من داخل "برلمان سعيد" من قبل نواب، كانوا بالأمس القريب أشد الناس ابتهاجا بـ "انقلاب 25 يوليو/تموز 2021 "، ودفاعا عن الرئيس الذي قلب الطاولة على الجميع، أحزابا ومعارضة ونقابات وقضاة وإعلاميين ومدونين، ومجتمع مدني ورجال أعمال وأمنيين، وغيرهم من النشطاء السياسيين والحقوقيين، واتهم الجميع إما بالضلوع في الفساد، أو الإرهاب، أو التآمر على الدولة، أو محاولة اغتيال رئيس الجمهورية..

انبرى هؤلاء منذ الانقلاب، لمواجهة كل من تخوّل له نفسه نقد رئيس الجمهورية، أو خياراته أو سياساته، خصوصا في مجال الحريات وحقوق الإنسان، بالشتم والتقريع والاتهام بالخيانة والتآمر مع الخارج، والارتباط بلوبيات ومخابرات أجنبية معادية لتونس، وفي أحسن الأحوال، اتهامهم بالتنسيق مع حركة النهضة، ومحاولة العودة للسلطة، واستعادة ما يسمونه بـ"العشرية السوداء"، مدافعين عما يعتبرونه "تصحيحا" و"إصلاحا ثوريا" لمسار ما بعد الثورة التونسية..

وفي لمح بالبصر، ومن دون أي مقدمات، بات هؤلاء أكثر الناقدين للرئيس التونسي، ولطريقته في الحكم، التي أصبحوا يصفونها بـ"الفوضى والدمار الشامل"، ناعتين أداء حكومته "بالفشل الذريع"، محملين رئيس الجمهورية، مسؤولية تعيين رئيسة الحكومة واختيار وزرائها.

اللافت في هذا التحول المفاجئ، هو مضي هؤلاء بإصرار كبير في الحديث تحت قبة البرلمان بالذات، عن "ضرورة التغيير"، وأن الرئيس لم يعد لديه ما يقدمه، وأن منظومة الرئاسة غير واضحة، ولا يُعرف من يديرها، وكيف يجري التحكم في المعلومات التي تصل رئيس الدولة. متسائلين بكامل الوضوح، عن أسباب العطل التي أصاب منظومة الحكم، بحيث باتت غير منتجة، فاسحة المجال لما يسمونه بـ"العبث" في جميع المستويات.

فالبلاد لم تتقدم، والفقر قد ازداد واتسعت دائرته، والموازنة الجديدة للحكومة لسنة 2026، تكرس "تفقير المفقر"، معتمدة على الضرائب بشكل أساسي، بما حوّلها موازنة، "دفع الجزية" كما وصفها أحدهم..

إعلان

لقد ترجم عدد من نواب "برلمان سعيّد" هذه الوضعية، من خلال مداخلات، هي الأكثر شجاعة ووضوح منذ "انقلاب يوليو/تموز 2021".

نواب رفعوا سقف النقد لنظام الحكم

فالنائب، أحمد السعيداني، الذي يوصف بـ "عرّاب الانقلاب"، رفع صوته بأعلى ما يمكن من داخل منظومة الحكم بالذات، ليقول ما لم يقله آخرون: "النظام فاقد لرشده وصوابه، ورئيس الجمهورية، رجل منفصل عن الواقع، تاريخيا وجغرافيا، وهو يعيش في كوكب آخر"..

ويضيف منتقدا تصريحات الرئيس التونسي: "لدى رئيس الجمهورية جميع تشكيلات القوات الحاملة للسلاح، من جيش وأمن وفرق استعلامات وأمن رئاسي وديوانة ومؤسسة سجون، وغيرها، وهو ما يزال يتهم الأشباح التي تتآمر عليه، والخونة والعملاء الذين يكيدون له في كل آن وحين"..
وتابع السعيداني، قائلا: "النظام يفقد عقله.. ومؤسسة رئاسة الجمهورية في حالة شلل تام، مطلق ومطبق.. إننا في مرحلة فوضى الدولة، والدمار الشامل، الذي تعيش البلاد على وقعه منذ عامين على الأقل"..

وتساءل عضو مجلس النوّاب، النوري الجريدي في خطاب نقدي ساخر، خلال مناقشة موازنة وزارة العدل لسنة 2026، "كم سيتواصل وجود رئيس الجمهورية على كرسي الرئاسة؟ عهدة أخرى، اثنتان، ثلاثة، أربعة، عشرون سنة أخرى، يعني إلى حدود 2045 كحدّ أقصى؟".. مضيفا "لا أحد من الذين عاصَروا بوعي ثورة 17 ديسمبر/ كانون الأول، و14 يناير/كانون الثاني، واعتقد لثانية واحدة، أن النظام البوليسي لبن علي سوف ينهار، وأن بن علي سيترك وراءه كل شيء ويغادر إلى بلد آخر"، في إشارة مبطنة إلى ما يمكن أن يكون عليه مصير الرئيس التونسي الحالي..

وتوجه النائب إلى وزيرة العدل خلال مناقشة موازنة الوزارة، قائلا: "عندما تكثر نكت الوجع على شخص الحاكم والمسؤول في أي دولة، فاعلموا أن أيامه في الحكم معدودة.. فالشعب يتحدث عنكم في صمت واختناق في زوايا المقاهي، وهو يتحدث عن العائلات الحاكمة، كما تحدث منذ عقدين، عن (طرابلسية بن علي)"، أي أصهاره وعائلته المقربة.
وشدد النوري الجريدي، على أن "لا عدل والمحكمة الدستورية، غائبة"، باعتبارها المؤسسة المكفول لها حسم الصراعات السياسية على الحكم، أو تسديد الشغور على مستوى رئاسة الجمهورية..

وفي "خروج كلي عن النص"، كما يقال، عبّر عدد من النواب، عن تضامنهم مع المعتقل السياسي، جوهر بن مبارك، إثر دخوله في إضراب جوع وحشي، تدهورت بموجبه حالته الصحية، إلى مستويات خطيرة للغاية، وطالب هؤلاء النواب، على قلتهم، بإطلاق سراحه فورا من أجل العلاج، ولم يتردد آخرون في المطالبة بإنهاء موضوع المعتقلين السياسيين، إلا من ثبت تورطهم في الإرهاب والفساد ونهب المال العام..

صدق الكواكبي عندما قال: "إذا خرج المحسوبون على الحكم ناقدين، فتأكد أنّ ساعة التغيير قد حانت"..

أمنيون وعسكريون.. على الخطّ

بالموازاة مع هذه التصريحات الصادرة عن حزام الرئيس قيس سعيد، من داخل البرلمان، ارتفعت أصوات أخرى، كانت بالأمس القريب ضمن أجهزة النظام، الأمنية والعسكرية، كما يروجون عن أنفسهم، واضطرت للجوء إلى الخارج، هربا من المحاكمة، بعد أن أحال الرئيس قيس سعيّد ملفاتهم على القضاء، بتهم الفساد..

إعلان

انقلب هؤلاء ضد نظام الحكم، وشرعوا في نشر غسيله، من حيث التعيينات الوظيفية في الوزارات، والصفقات العمومية التي تذهب إلى جهات قريبة من الحكم، ملوحين بالملف الصحي لرئيس الجمهورية، تارة، وببعض التجاوزات في مستوى حكمه، واستتباعاتها القضائية، من جهة أخرى، كما يفعل ثامر بديدة، الأمني السابق، اللاجئ حاليا في باريس، والذي لعب دورا سيئا في مرحلة الانتقال الديمقراطي، من خلال شيطنة الطبقة السياسية الحاكمة.. وبات اليوم، صوتا هو الأشدّ نقدا للرئيس قيس سعيّد، ولأسلوبه في الحكم، متحدثا عن ضرورة الانتهاء من هذه "السنوات العجاف"، كما يطلق عليها..

واعتبر بديدة، أنّ الجيش التونسي، مطالب بقيادة المرحلة الانتقالية، من خلال انتخابات سابقة لأوانها، لا تشارك فيها الطبقة السياسية الراهنة، وتفسح المجال، لكفاءات تونسية شابة، ليست من عشرية الانتقال الديمقراطي، ولا هي من مرحلة الرئيس الحالي، قيس سعيّد.

ويقدّر هذا المسؤول الأمني السابق، أن "التغيير قادم"، و"موعده قريب جدا، ولن يتجاوز بضعة أسابيع"، على أقصى تقدير، ما جعل الكثير من المتابعين للشأن التونسي في الداخل والخارج، يتساءلون عن مصدر ثقة الرجل في معلوماته، وعن مدى مصداقيتها..

من ناحيته، طرح هشام المدب، المرشح السابق لرئاسة الجمهورية، والعميد السابق في الجيش ووزارة الداخلية، السؤال الذي يتردد في تونس في الأوساط الشعبية والسياسية والنخب منذ فترة: إلى أين تتجه الأمور في تونس؟

ونقل المدّب عن مستشار الرئيس الأميركي، جاريد كوشنر، السيناريو الأميركي، لتحقيق الانتقال السياسي في تونس بصورة هادئة، تضمن عدم الفوضى والتقاتل الداخلي..

وقال الجنرال السابق في الجيش التونسي، إنّ الولايات المتحدة، وفرت ما وصفه بـ"باب لخروج آمن للرئيس قيس سعيّد"، تماما مثلما حصل مع الرئيس الراحل، بن علي في العام 2011، وفق تعبيره..

واعتبر أنّ السلطة السياسية، بموجب "سيناريو كوشنر"، تتوفر على فرصة كبيرة لمغادرة السلطة، دون أي تداعيات اجتماعية أو سياسية عنيفة، عبر تنظيم التداول على الحكم، تحت إشراف المؤسسة العسكرية، التي يعهد إليها إعداد البلاد في غضون 3 أشهر (تسعين يوما بتعبير فقهاء الدستور)، لإجراء انتخابات على أساس دستور العام 2014، يتم بموجبها، تسليم السلطة لمن سيختاره التونسيون بكل حرية..

تآكل "الحزام الرئاسي" بشكل واضح، إذ لم يعد ثمّة من المدافعين عنه سوى بعض الأصوات غير المؤثرة، وتلك التي تصنّف ضمن "أصوات الطابور الخامس"، فهي لا تزيد بدفاعها عن منظومة الحكم الراهنة، سوى الإمعان في غضب الناس، ومزيد احتقانهم

التغيير "المحسوب"

وفي الحقيقة، تتقاطع هذه التصريحات، الصادرة عن نواب بالبرلمان، وأمنيين سابقين، مع "وجهات نظر سياسية"، يتم التعبير عنها على وسائل التواصل الاجتماعي في شكل سيناريوهات للانتقال السياسي في تونس.. ويجري الحديث عن هذه السيناريوهات بكثافة، من قبل دبلوماسيين تونسيين سابقين، وجامعيين، وبعض السياسيين الذين هربوا بجلدهم من "صقيع" المحاكمات، التي يصفها المحامون، وهيئات الدفاع عن السجناء السياسيين بـ"الجائرة"، و"المفبركة"، و"الفارغة من أي أدلّة"..

ولعلّ أبرز هذه التصريحات، تلك الصادرة عن الوزير السابق، محمد عبو، "منظّر الانقلاب"، كما يصفه خصومه، باعتباره هو من دعا الرئيس قيس سعيّد، وألح عليه بضرورة استخدام الفصل 80 من دستور 2014، لتغيير الوضع السياسي في البلاد، وهو ما اضطلع به الرئيس سعيّد، من خلال "انقلاب يوليو/تموز 2021"..

خرج عبو من قمقم الانقلاب منذ فترة، وبات يطالب بالحاجة الأكيدة، "لإحداث "التغيير على مستوى رأس السلطة بالطرق السلمية الهادئة"، على حدّ قوله.. لكنّ عبو، يصرّ على أنّ "القفز على مؤسسات الدولة، لإحداث هذا التغيير، أمر مرفوض، وسيدخل البلاد في حرب داخلية وفوضى"..

وطالب في فيديو بُثّ مؤخرا على وسائل التواصل الاجتماعي، الطبقة السياسية والرأي العام التونسي، بـ"فتح النقاش مع أجهزة الدولة بالذات، لإنهاء حكم سعيّد، والمرور إلى مرحلة انتقالية، عبر تنظيم انتخابات في غضون 3 أشهر"، داعيا رئيس الجمهورية، إلى "الاستقالة الفورية"، لوضع حدّ لمرحلة، أدارها بطريقة مدمّرة"، وفق تعبيره..

إعلان

وبنفس القدر من التطلع للتغيير في تونس، سخّر منذر الزنايدي، الوزير السباق (مرحلة بن علي)، والمرشح للرئاسية، جميع تدخلاته على "فيسبوك" و"يوتيوب"، من أجل دعوة الرئيس قيس سعيّد، إلى "التنحي الطوعي عن رئاسة الجمهورية"، إذ "لم يعد لمنظومته ما تقدمه للتونسيين"، واصفا حقبة حكمه بـ"سنوات القحط والعبث والإجرام"! على حدّ تعبيره..

كان المفكر الفرنسي بيير بورديو، يكرر في محاضراته أينما ذهب، أنّ تغيير أنظمة الهيمنة، ربما بدأ بخطاب سياسي، يدشن ديناميكية مجتمعية، من الصعب تقدير مآلاتها، لكن من السهل رؤية التغيير في الأفق"..

أحزاب بلا حول.. ولا قوة

في المقابل، لا رأي للأحزاب الصامتة منذ فترة، فيما يقال عن التغيير السياسي في تونس، إذا استثنينا الدعوة إلى الحوار مع السلطة، للخروج من الأزمة السياسية الراهنة، وسط جدل حقيقي، حول أجندة الحوار، ومكوناته، وأفقه السياسي، وهل يشمل إزاحة الرئيس قيس سعيّد عن الحكم، أم يحدث التغيير مع استمراره على رأس السلطة..

ثمة إجماع، في كل الأوساط السياسية والبرلمانية والشعبية والحقوقية والنقابية أيضا، على أنّ البلاد بلغت مرحلة من الانسداد السياسي، تترجمها أوضاع الحريات العامة، والتجاوزات الحقوقية في السجون، والتنكيل بالمساجين السياسيين، وتعنيف البعض ممن دخلوا في إضراب عن الطعام منذ فترة، على غرار السياسي والجامعي، جوهر بن مبارك، و"ضرب حرية الصحافة والتعبير"، وفق ما تقوله نقابة الصحفيين التونسيين، التي شرعت في التحرك الميداني، تنديدا بأوضاع حرية الصحافة في البلاد، وصمت السلطة إزاء مطالبها المتراكمة.

ماذا تعكس هذه الانتقادات الحادّة وغير المسبوقة لأداء نظام الرئيس قيس سعيّد؟ وكيف يمكن تفسير هذه "الاستفاقة" لخلان الرئيس التونسي بالأمس، الذين باتت أصواتهم أعلى من أصوات المعارضة بأحزابها وقياداتها الكثيرة؟

ثلاث ملاحظات أساسية في هذا السياق

أنّ التجربة التونسية الراهنة، قد استنفدت جميع أدواتها وقواعد لعبتها، ولم تعد قادرة على الاستمرار أكثر، لا سيما في غياب القدرة على "التغيير من الداخل"، وتعديل أوتار الحكم. تآكل "الحزام الرئاسي" بشكل واضح، إذ لم يعد ثمّة من المدافعين عنه سوى بعض الأصوات غير المؤثرة، وتلك التي تصنّف ضمن "أصوات الطابور الخامس"، فهي لا تزيد بدفاعها عن منظومة الحكم الراهنة، سوى الإمعان في غضب الناس، ومزيد احتقانهم. أن تونس تمرّ بمخاض كبير وعميق، مع ظهور "البنية الهشّة للحكم"، بشكل واضح وجليّ، والغريب أنّ هذه الهشاشة، لم تكن بمفعول ضغط المعارضة، بقدر ما كانت ترجمة لفراغ مدوّ في مستوى التصورات للحكم، والخيارات والسياسات، وعلاقات السلطة المتوترة مع أكثر من طرف في الداخل والخارج..

هل من سبيل للخروج من حالة الانسداد السياسي الحالي، وتحقيق انتقال سلمي للسلطة، يجنّب البلاد ويلات الفوضى، والعنف، وهو السيناريو الذي يتحدث عنه قسم واسع من التونسيين، خلسة في المقاهي ومجالسهم الخاصة، مشيرين إلى أنّ "الثورة القادمة، لن تكون سمنا على عسل، كما كانت ثورة يناير/كانون الثاني 2011″؟، وهو ما يخيف عديد الأطراف الاجتماعية والسياسية، وما تبقى من عقلاء في هذا البلد.

اللافت، أن الاحتكام لدستور 2022، الذي خطّه الرئيس قيس سعيّد بقلمه، من الألف إلى الياء، لن يفيد، ولن يقدّم حلولا، بأي صورة من الصور؛ لأنّ هذا الدستور، لم يتضمن آليات الانتقال السياسي، في صورة حصول شغور في مستوى أعلى مؤسسة سيادية في البلاد، وهي مؤسسة الرئاسة، إذ فتح الرئيس التونسي الباب للمحكمة الدستورية، لكي تضطلع بهذا الدور، وتتكفل بانتقال سلس للسلطة، لكنّه- في ذات الوقت- أغلق هذا الباب بالأصفاد، فالمحكمة الدستورية لم تتشكل إلى الآن، ولا وجود لصيغة التوريث، كما يروج البعض.

يحتاج العقل التونسي إلى التفكير خارج كل الصناديق، عسى أن يتوصل إلى مخرج لهذه الأزمة، التي أدخِلت فيها البلاد، رُغما عنها، بلا بوصلة، أو تصور أو خيارات واضحة، وهي اليوم تجني نتيجة ذلك، مأزقا حقيقيا، يحتاج التونسيون إلى براعة في التفكير، لكي يخرجوا من هذا النفق.

في السياسة، عليك أن تدع بابا مفتوحا للخروج، فإذا ما أَغلقتَ كل الأبواب، تبدأ بالاختناق.. وتتسبب في انسداد سيشمل الجميع..

كان الله في عون تونس الحبيبة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

إعلان

0 تعليق