خاص – (بنا)
المنامة في 30 نوفمبر / بنا / منذ تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية عام 1981، أولت دول المجلس (التعاونِ) الاقتصادي أولوية قصوى ضمن أهدافها الاستراتيجية الكبرى، إدراكًا منها لأهمية توحيد الجهود وتكامل القدرات لتحقيق التنمية المستدامة والازدهار المشترك. وقد حرص أصحاب الجلالة والسمو قادة دول المجلس، حفظهم الله ورعاهم، على ترسيخ هذه المسيرة الاقتصادية المباركة، وتعزيز مكتسباتها، وصولًا إلى مراحل متقدمة من التكامل، بما يلبي تطلعات شعوب دول المجلس ويعزز أمنها واستقرارها ورفاهها.
واستشرفت دول المجلس منذ اللبنات الأولى من عمر مجلس التعاون، أهمية وضرورة تسخير كل الإمكانات وتذليل الصعوبات للنهوض بالاقتصادات الخليجية وتطويرها لتكون قادرة على المساهمة النوعية في الاقتصاد العالمي ومواجهة تحديات وأزمات الأسواق العالمية، ومواكبة التطور المتسارع في هذا القطاع الحيوي والديناميكي المستدام، لاسيما وأن الاقتصاد هو الوجه الآخر القوي للدول إلى جانب السياسة والدبلوماسية الحكيمة، وقد أدركت دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية ضرورة تعزيز التعاون والتكامل والترابط فيما بينها انطلاقًا من أهمية ما تمتلكه من مصادر طبيعية و(إمكانات) اقتصادية وخصوصية إقليمية ودولية.
مشاريع خليجية مشتركة توحد جهود التنمية
انطلقت المشاريع الاقتصادية الخليجية المشتركة، منذ تأسيس مجلس التعاون، آخذةً طريقها نحو التنفيذ المرحلي على أرض الواقع، وبرزت ملامحها من خلال قرارات القمم الدورية لأصحاب الجلالة والسمو قادة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، واللجان الوزارية المختصة، وحققت خطوات ملموسة في تنويع اقتصاداتها وتقليل الاعتماد على النفط، من خلال تنفيذ رؤى تنموية طموحة، والاستثمار في مجالات الطاقة المتجددة والتقنية والسياحة والخدمات اللوجستية، إلى جانب تعزيز تكاملها الاقتصادي عبر تفعيل السوق الخليجية المشتركة وتيسير حركة السلع ورأس المال والأفراد.
سعيًا لتحقيق التكامل في الأسواق المالية بما يتفق مع متطلبات السوق الخليجية المشتركة، أتم مجلس التعاون عبر لجانه الوزارية الاقتصادية المختصة تمكين مواطني دول المجلس الطبيعيين والاعتباريين من الاستثمار والتداول في جميع الأسواق المالية بدول المجلس بيسر وسهولة، ودون تفريق أو تمييز، وتوحيد النظم المالية والمصرفية وتشريعات تداول الأسواق المالية وأنظمة التملك والاستثمار بين دول المجلس.
كما عملت دول المجلس على تسهيل تنقل رؤوس الأموال بينها وتسريع حركة انتقال التجارة والاستثمارات البينية، عبر تأسيس وتطوير الشبكة الخليجية (GCCNET) لربط شبكات الصرف الآلي وأجهزة نقاط البيع بدول المجلس.
واستكمالًا للمشاريع الاقتصادية المشتركة، أقر المجلس الأعلى إقامة الاتحاد الجمركي لدول مجلس التعاون اعتبارًا من الأول من يناير 2003، ومتابعة متطلباته، وتطبيق نظام "قانون جمركي موحد" وتعرفة جمركية موحدة تجاه التجارة الخارجية، تسهيلًا لحركة تنقل السلع والبضائع وتشجيع التجارة البينية الخليجية والخارجية مع العالم.
وفيما يتعلق بالتكامل الخليجي في قطاع الصناعة البترولية والمعدنية والموارد الطبيعية الأخرى وتعزيز الوضع التنافسي لدول المجلس، أكدت الاتفاقية الاقتصادية لعام 2001 على تبني الدول الأعضاء سياسات تكاملية في جميع مراحل صناعة النفط والغاز والمعادن، بما يحقق الاستغلال الأمثل للموارد الطبيعية، مع مراعاة الاعتبارات البيئية ومصالح الأجيال القادمة، وذلك وفقًا للاستراتيجية البترولية طويلة المدى لدول المجلس.
وفيما يتعلق بمشاريع البنية الأساسية، ومن أبرزها مشاريع الربط الكهربائي بين دول المجلس لتحقيق التنمية الاقتصادية المشتركة، تم تأسيس "هيئة الربط الكهربائي لدول مجلس التعاون" عام 2001، وتوقيع وزراء الكهرباء والماء في 2009 الاتفاقية العامة للربط الكهربائي لتحقيق الاستدامة لأمن الطاقة، وترشيد الاستهلاك وتقليل التكلفة، وبموجبها تم تنفيذ عدة مراحل تشغيلية في المشروع الذي يسير وفق جدول زمني يتم تحديثه باستمرار وفقًا لمستجدات الطاقة العالمية، والاعتماد على الطاقة المتجددة النظيفة والآمنة غير البترولية.
كما تم إنجاز الاستراتيجية الخليجية الموحدة للمياه لإعداد تشريعات وقوانين مائية مشتركة تهدف إلى المحافظة على المصادر المائية السطحية والجوفية، وتنظيم مصادر تحلية المياه وتوطينها، واعتماد إعادة استخدام مياه الصرف الصحي المعالج، وإعداد خطة خليجية مشتركة لطوارئ المياه.
التجارة الخارجية وآفاق عالمية رحبة
اعتمد مجلس التعاون لدول الخليج العربية سياسات اقتصادية خارجية مدروسة وفاعلة، راعت في قواعدها استراتيجيات وخطط التنمية في الدول الأعضاء، وظروف ومعطيات الأسواق العالمية، وقوى النفوذ والتأثير للكيانات الاقتصادية والصناعية الكبرى في العالم، حيث أثبتت أنها لم تكن بأقل من تلك الكيانات قوة أو تأثيرًا، بل على العكس تمامًا، استطاعت أن تنافس وتتواجد وتقود الإقليم بقوة مدروسة وناجحة نحو مسارات تنموية شاملة ومستدامة، لتصبح المبادرات والاستراتيجيات الاقتصادية الخليجية نماذج تُحاكى ويستعان بها في مختلف المحافل والمنابر الاقتصادية والتجارية في العالم.
وقد ساعد في ذلك اعتماد مجلس التعاون لتعرفة جمركية موحدة ما يُيسِّرُ دخول دول المجلس بالكامل إلى اتفاقية التجارة الحرة العربية الكبرى عام 2005، ومن ثم الانطلاق نحو شراكات وتعاون أكبر وأوسع خليجيًا وخارجيًا شمل مختلف الكيانات الإقليمية والعالمية مثل المنظمات الأممية، والاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة الأمريكية، والآسيان، والصين، وروسيا الاتحادية، والعالم الإسلامي، وغيرها من الدول والتكتلات الاقتصادية الكبرى.
ويعتزم مجلس التعاون لدول الخليج العربية، بحسب الاستراتيجيات الاقتصادية المستقبلية خلال العقد المقبل، الدخول في مرحلة جديدة عنوانها "التكامل والريادة العالمية"، مستندًا إلى رؤية مشتركة وإرادة سياسية راسخة يقودها أصحاب الجلالة والسمو قادة دول مجلس التعاون، لتحقيق تطلعات مواطني دول المجلس نحو مزيد من الأمن والازدهار والرفاه، كما تتطلع الدول الأعضاء لمزيد من المبادرات والمشاريع التنموية الطموحة، تتمركز أولوياتها في تعزيز صلابة الاقتصاد الخليجي المشترك لمواجهة التحديات الخارجية المستقبلية.
من: هند كرم
ع.س, ت.و, A.A

0 تعليق