مدريد- أراد مجموعة من الأكاديميين الإسبان وشخصيات متخصصة بالمجال القانوني والثقافي والدفاع عن حقوق الإنسان، أن يكون اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني ذا طبيعة مختلفة لا تكتفي بالشجب والاستنكار والهتاف بالشارع أو إظهار الدعم اللفظي، فاختاروا هذا اليوم ليعلنوا فيه ثمرة جهود بحثية دأبوا عليها على مدى 6 أشهر كاملة.
فقد أعلن عشرات المجتمعين والممثلين عن 46 جامعة في إسبانيا، أمس السبت، نتائج "المحكمة الشعبية المتعلقة بتواطؤ الدولة الإسبانية في الإبادة الجماعية في فلسطين"، والتي أقيمت بتنظيم من "شبكة الجامعات الإسبانية من أجل فلسطين"، بهدف فحص سلوك مختلف الفاعلين الحكوميين وغير الحكوميين خلال فترة الحرب الأخيرة في قطاع غزة، من منظور القانون الدولي والأخلاق العامة.
وقدم المشاركون الأكاديميون في جلسات محكمة الرأي -التي أكدوا أنها لا تمتلك سمة رسمية وأن هدفها هو دراسة وتحريك المجتمع المدني الإسباني- مجموعة من الدراسات المدعمة بالأدلة، جمعوها بالتعاون مع منظمات ومراكز أبحاث ومجموعات تضامن وحملات شعبية.
وأكد القائمون وجود علاقات وتعاون مؤسسي وتجاري بين الحكومة الإسبانية والإسرائيلية، مما كان له نصيب في المساهمة بارتكاب جرائم إبادة جماعية بحق الشعب الفلسطيني.
أبرز النتائج
خلص القائمون على المحكمة إلى نتائج عرضوها في بيانهم الختامي، حيث اعتبروا أن الدولة الإسبانية متورطة بالتعاون -بشكل مباشر وغير مباشر- مع الاحتلال الإسرائيلي، وأنها كانت على علم بالجرائم وانتهاكات القانون الدولي، ولم تتخذ التدابير الكافية لوقف العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية.
كما اعتبروا أن الحكومة الإسبانية قصرت في حماية 65 مواطنا إسبانيا تم الاعتداء عليهم ضمن "أسطول الصمود"، حيث تعرضوا للخطف وسوء المعاملة، دون تحرك مناسب من السلطات لحمايتهم.
إعلان
وبناء على الأدلة التي تم جمعها، وجدوا أن الصناعات العسكرية والأمنية الإسبانية مرتبطة بشبكة مصالح اقتصادية وسياسية تغذي الاحتلال وتستفيد منه، وأن شركات إسبانية ودولية تشارك في مشاريع داخل الأراضي المحتلة، مما يجعلها مستفيدة من نظام الاستيطان والقمع.
كما أدان القائمون استخدام الموانئ الإسبانية بانتظام لنقل السلاح والطاقة إلى إسرائيل، معتبرين أنها أصبحت جزءا من "اللوجستيات الحربية" الداعمة للإبادة، كما اتهموا بنوكا إسبانية بأنها تمول وتستفيد من إنتاج الأسلحة التي تستخدم في غزة.
أما شركات البناء والبنية التحتية الإسبانية، فكشفت المحكمة أنها متورطة في مشاريع داخل المستوطنات الإسرائيلية، كما أن شركات إسرائيلية تعمل في قطاعات الماء والطاقة والخدمات الأساسية داخل إسبانيا، وأن سوق الأمن السيبراني الإسباني يهيمن عليه الاستثمار والتقنية الإسرائيلية.
واعتبرت المحكمة في بيانها أن "الإعلام الإسباني جزء من بنية التواطؤ، وأن حياده يعد شكلا من أشكال المشاركة في الإبادة"، واتهموا بعض وسائل الإعلام بأنها تروج خطابات تجرد الفلسطينيين من الإنسانية، وتشوه المقاومة الفلسطينية وتبرر العنف الإسرائيلي.
تواطؤ اختياري أم إجباري
وأكدت الأستاذة في جامعة أكورونيا نيفي سارثا، والتي شاركت في جلسة العلاقات الأكاديمية والجامعية، أن النظام الجامعي الإسباني مرتبط بشكل كبير بنظيره الإسرائيلي، سواء على مستوى البحث العلمي والتبادل الأكاديمي أو حتى المناهج التي يتم تدريسها.
لكن في مقابل ذلك، تقول سارثا للجزيرة نت إنه "يوجد حراك قوي جدا داخل الجامعات، لا يقتصر على الطلاب بل يشمل الأساتذة والموظفين، وهم يتخذون مواقف حازمة لكي تصبح فلسطين والدفاع عن حقوق الإنسان جزءا أساسيا من السياسات الجامعية".
وأكدت الباحثة أنهم بصدد تفعيل بروتوكولات للمقاطعة الأكاديمية مع الجانب الإسرائيلي في الجامعات الإسبانية، بالإضافة إلى تحويل المطالب التي يتم طرحها في البيانات المؤيدة لفلسطين إلى إجراءات عملية وآلية محاسبة تعزز الشعور بالمسؤولية.
وفي حديثه للجزيرة نت، اعتبر الصحفي المتخصص في تغطية قضايا الشرق الأوسط جوان رورا، والذي شارك في جلسة الصحافة والإعلام، أن "وسائل الإعلام في إسبانيا لعبت دورا يمكن وصفه بأنه متوازن إلى حد كبير خلال الحرب على غزة، وكانت بيئة العمل الصحفي ذات طبيعة أقل قيودا وضغطا من غيرها في دول أوروبية أخرى".
أما الباحثة في كلية الفيزياء بجامعة كومبلتنسي في مدريد مرسيدس مارتن بينيتو فتقول إنهم في جلسة قطاعي الثقافة والرياضة، خلصوا إلى نتيجة أن المؤسسات والجهات المختلفة في هذين القطاعين في إسبانيا "يتم استغلالهما بشكل كبير من قبل الحركة الصهيونية، من خلال البحث عن الشرعية، أو توفير مساحات نفوذ اقتصادي وسياسي".
وتوضح بينيتو للجزيرة نت أن "إسرائيل تنتهك بشكل كامل كل مبادئ الميثاق الأولمبي، ولوائح كل الاتحادات الرياضية الدولية، لكن رغم ذلك لم تستبعد إسرائيل بعد من المسابقات الرياضية أو من الفعاليات الثقافية، بسبب النفوذ الاقتصادي الهائل والقوة التي يمارسها اللوبي الصهيوني".
جهود استثنائية
ومن جانبها، وصفت الباحثة ومديرة البرنامج الأكاديمي لدراسات الجاليات العربية والمسلمة في المهجر في جامعة سان فرانسيسكو رباب عبد الهادي، ما تم إنجازه في جلسات المحكمة من قبل أساتذة جامعيين بأنها "خطوة نوعية، لتحديد جوانب تورط الدولة الإسبانية في الإبادة التي وقعت بحق الشعب الفلسطيني".
إعلان
وأكدت الباحثة للجزيرة نت أنها "ذهلت" من حجم الجهد المبذول من قبل الأكاديميين رغم الضغوط والمعيقات التي مورست عليهم، معتبرة أن ما تم إنجازه يعتبر قياسيا في ظل الوقت المخصص له.
من جهته، أكد الصحفي كايد حماد للجزيرة نت، أنه لمس بشكل شخصي حرص الشعب الإسباني على سماع الشهادات الحية، ويقول "منذ إجلائي من قطاع غزة إلى إسبانيا قبل 5 أشهر لم أمكث أكثر من 3 أيام دون استدعائي للحديث عن تفاصيل يومية للحرب أمام الجمهور".
مسيرة تضامنية
وبالتزامن مع المحاكمة، خرجت مظاهرة حاشدة في قلب العاصمة الإسبانية، حيث أكد المشاركون فيها مواصلة دعمهم للشعب الفلسطيني، معتبرين أن الجرائم الإسرائيلية التي ترتكب بحقه لا تزال مستمرة رغم توقيع اتفاق وقف إطلاق النار.
وذكر المتحدث باسم شبكة التضامن الإسبانية ضد احتلال فلسطين هيكتور غراد فوشسيل للجزيرة نت أن المظاهرة تأتي في الذكرى 78 لقرار الأمم المتحدة تقسيم فلسطين، "وهو القرار الذي مثل بداية النكبة، حيث جرى تهجير السكان الأصليين وتدمير 500 من قراهم".
وأضاف أن مسار ما وصفه بـ "الخط الاستعماري والإمبريالي" مستمر بمحاولة حشر الفلسطينيين في مناطق صغيرة مثل غزة، ودفعهم خارج أرضهم، منددا بالمجزرة اليومية المستمرة بحق الفلسطينيين في غزة على الرغم من توقيع اتفاق وقف إطلاق النار.
وأكد أن مطالب المتظاهرين تتلخص بـ:
وعن سبب خروجهم إلى الشارع مرة أخرى، قالت المتحدثة باسم حملة إنهاء تجارة الأسلحة مع إسرائيل لورا فيري سان خوان للجزيرة نت "نحن هنا مرة أخرى وبأعداد كبيرة، لأن المجتمع المدني لم يعد يحتمل أن تستمر الدولة الإسبانية في الإبقاء على تجارة السلاح ومرور الأسلحة مع إسرائيل".

0 تعليق